الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
120
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
يُهَلِّلُونَ للِهَِّ حوَلْهَُ وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ - شُعْثاً غُبْراً لَهُ قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ - وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ - ابْتِلَاءً عَظِيماً وَامْتِحَاناً شَدِيداً - وَاخْتِبَاراً مُبِيناً وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً - جعَلَهَُ اللَّهُ سَبَباً لرِحَمْتَهِِ وَوُصْلَةً إِلَى جنَتَّهِِ - وَلَوْ أَرَادَ سبُحْاَنهَُ - أَنْ يَضَعَ بيَتْهَُ الْحَرَامَ وَمشَاَعرِهَُ الْعِظَامَ - بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ وَسَهْلٍ وَقَرَارٍ - جَمَّ الْأَشْجَارِ دَانِيَ الثِّمَارِ - مُلْتَفَّ الْبُنَى مُتَّصِلَ الْقُرَى - بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ - وَأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ وَعِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ - وَرِيَاضٍ نَاضِرَةٍ وَطُرُقٍ عَامِرَةٍ - لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلَاءِ - وَلَوْ كَانَ الْأَسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا - وَالْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا - بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَنُورٍ وَضِيَاءٍ - لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ - وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ - وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ - وَلَكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عبِاَدهَُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ - وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ - وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ المْكَاَرهِِ - إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ - وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ - وَلِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فضَلْهِِ - وَأَسْبَاباً ذُلُلًا لعِفَوْهِِ فاَللهََّ اللَّهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ - وَآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ - فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى وَمكَيِدتَهُُ الْكُبْرَى - الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ - فَمَا تُكْدِي أَبَداً وَلَا تُشْوِي أَحَداً - لَا عَالِماً لعِلِمْهِِ وَلَا مُقِلًّا فِي طمِرْهِِ - وَعَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللَّهُ عبِاَدهَُ الْمُؤْمِنِينَ - بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ - وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ - تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ وَتَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ - وَتَذْلِيلًا لِنُفُوسِهِمْ وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ - وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلَاءِ عَنْهُمْ - لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الوْجُوُهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً - وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ